وكالة الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي
دليل الزوار
آداب واحكام زيارة المدينة

 

 

 المقدمة:
"إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد":
فإن الإسلام لم يرزأ بأعظم مما أبتدعه المنتسبون إليه، وما أحدثه الغلاة من المفتريات عليه؛ فذلك مما جلب الفساد على عقول المسلمين وأساء ظنون غيرهم فيما بني عليه دين الإسلام -ولعمر الحق- ما بني دين الإسلام إلا على أصلين:
الأصل الأول: أن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له. الأصل الثاني: أن لا يعبد الله إلا بما شرع؛ قال تعالى: ((فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)) [الكهف:110] وقال تعال: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ)) [البينة:5].
ولا مرية في أن الشريعة الإسلامية السمحة قد جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم فما خرج عن هذين الأصلين فهو البدعة؛ ولله در الإمام مالك رحمه الله فكثيراً ما كان ينشد:
وخير الأمور ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع
وكلما طال العهد بالمسلمين تجلت غربة الإسلام، والتبس الحق بالباطل واختلطت الأمور واستحكمت البدع والخرافات وحار الناس في أمر دينهم؛ فإذا البدعة سنة وإذا السنة بدعة، وكادت الرؤيا تنعدم في ذلك الجو الغريب عن شريعة الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
"وقد عرفنا من تاريخ الأديان والشرائع أن التحريف الابتداعي قد أصاب الأمة من جهات ثلاث:
1- من جهة العقيدة: ومنها دخل الشرك، وعبادة غير الله، من دعاء واستعانة واستغاثة ولجوء إلى غيره فيما لا يجوز صرفه إلا إلى الله تعالى.
2- ومن جهة العبادة: ومنها دخل التغيير بالزيادة أو النقص والتغيير في الكيفية.
3- ومن وجهة الحلال والحرام: ومنها حرم الحلال واحتيل فحلل الحرام.
وإذا أحصينا أسباب ذلك وجدنا أن أسباب البدع كثيرة يصعب حصرها أو تعدادها ومن أهم هذه الأسباب:
1- القول في الدين بغير علم.
2- ممارسة الجاهل لأمور التعليم والفتوى.
3- الجهل بالسنة ومكانتها في التشريع وعدم التمييز بين الأحاديث الصحيحة وغيرها، الضعيفة والموضوعة.
4- اتباع الهوى والشهوات والتسليم لغير المعصوم صلى الله عليه وسلم.
5- اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة من المبتدعين وابتغاء تأويله من الجهلة المتعالمين( ) ويتساءل المسلم الحريص الغيور على دينه كيف الطريق إلى الله؟ وكيف الطريق إلى السنة؟
ولا أجد إجابة أشفى مما أجاب به أبو علي الحسن بن علي الجوزجاني حيث قال: "الطرق إلى الله كثيرة، وأوضح الطرق وأبعدها عن الشبهة: اتباع السنة قولاً وفعلاً وعزماً وعقداً ونية؛ لأن الله تعالى يقول: ((وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)) [النور:54] فقيل له وكيف الطريق إلى السنة؟ فقال: مجانبة البدع واتباع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام ولزوم طريق الاقتداء .
إذا تقرر هذا:
كان التنبيه على المنكر ودفع الناس إلى اتباع الحق أمر واجب على المسلمين عامة وعلى العلماء بخاصة.
نعم: يجب نشر العلم النافع: علم التوحيد وإصلاح العقيدة والقضاء على العقائد الفاسدة والادعاءات الباطلة والعادات والتقاليد البالية التي شوهت معالم الدين وزيفت حقائقه ومعتقداته واستميل بها قلوب كثير من العوام والجهال.
نعم: يجب أن ننهج في أمور ديننا ودنيانا على هدي من الكتاب والسنة وآثار سلف هذه الأمة فإن في ذلك النجاة والفوز في الدنيا والآخرة.
نعم: يجب أن ندافع عن عقيدة التوحيد الخالص لننفي عنها عبث العابثين ومكائد الضالين وتحريف المبتدعين وأباطيل الملحدين لنكون في مأمن من غوائل هذه الآفات الكاسدة والضلالات الفتاكة وغيرها من معاول الهدم والتخريب التي شوهت جمال الإسلام وحضارته وحالت دون تقدم المسلمين.
وشعوراً بالمسؤولية وبدافع من الغيرة الإسلامية رأيت أن أقدم هذه الصفحات المتواضعة تحت عنوان: آداب وأحكام زيارة المدينة المنورة.
ومن الأسباب التي جعلتني أكتب في هذا الموضوع هو الادعاء بأن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم تنال بها الحاجات وهي الغاية القصوى التي شمر إليها المحبون وتنافس فيها المتنافسون ولمثلها فليعمل العاملون، وهذه العبارات تحمل إطراء ومبالغة تتجاوز الحد الشرعي كما سنقف على إيضاح ذلك إن شاء الله؛ وقد ترتب على هذا الاطراء والمبالغة أن فئة من المسلمين أصبح معظم قصدهم من الحج زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ظناً منهم أن ذلك من تمام الحج وكماله، وربما انطلى هذا المفهوم على بعض المنتسبين للعلم فقرروه في كتبهم ومناسكهم، بل وردد بعض العلماء هذه العبارات المتكلفة وما شاكلها من عبارات السجع والإطراء، وهم على جلالة قدرهم ورسوخ قدمهم في العلم كابن حجر العسقلاني والقسطلاني- رحمهما الله- وغيرهما؛ وقد حذر السلف الصالح من زلة العالم وجعلوها من الأمور التي تهدم الدين؛ فإنه ربما ظهرت فتطير في الناس كل مطار فيعدونها ديناً وهي ضد الدين فتكون الزلة حجة في الدين.
روى الدارمي عن زياد بن حدير قال قال لي عمر هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين( ). عافانا الله وإياهم وغفر زلتهم وتجاوز عنهم وعاملهم بقصدهم ونيتهم إنه على كل شيء قدير.

تحريراً في غرة ذو القعدة 1419 هـ.
بمدينة الرياض
وكتبه راجي عفو ربه المنان صالح الغانم السدلان

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم
إن شد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لم يعرفه السلف في كتبهم ولم يكتبوه في مؤلفاتهم، بل هو تعبير غريب لا يعرفه السلف الصالح وإنما هو محض المبالغة والتكلف والإطراء المتجاوز للحد الشرعي. وليس في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها موضوع تحت عنوان: "زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم". وإنما تكلم بذلك من تكلم من بعض المتأخرين، وحسبنا ما كان عليه سلف هذه الأمة وأئمتها.
ومعلوم أن الذاهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والمسجد نفسه يشرع إتيانه سواء كان القبر هناك أو لم يكن، ثم يأتي إلى القبر فيزوره زيارة شرعية كما يزور عامة قبور المسلمين في بلدان الإسلام للاعتبار والدعاء لهم بدون سفر إليها أو قصد لها.
وعلى من أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص الثابتة ليعرف ما كان عليه السلف الصالح ومن سار على نهجهم وما قاله أئمة المسلمين حتى لا يحرف الكلم عن مواضعه ويصرفه عن ظاهره بالعبارات المسجوعة المنمقة والكلمات المستنكرة المردودة، فالوصول إلى مسجده والصلاة فيه أولاً، ثم الزيارة للقبر مغمورة فيه ومن ادعى خلاف ذلك فعليه البيان مع البر هان.
ولو سلمنا جدلاً أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم بشد الرحل إليه مندوب أو واجب وأنها الغاية القصوى وهي من أعظم القربات وأرجى الطاعات.. إلخ. فأين الدليل على ذلك؟ ثم من هم الذين فعلوا ذلك؟ هل هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة من التابعين وأتباعهم؟ أم هم أناس جانبوا العلم والتحقيق واكتفوا بما يأخذون عن مشائخهم وما يكتبون لهم في أورادهم؟!
إن كان الأول فلا دليل عليه لأن أئمة المسلمين من السلف والخلف لا يتكلمون في الدين بأن هذا واجب أو مندوب أو سنة أو مستحب أو حلال أو حرام أو مباح إلا بدليل شرعي من الكتاب والسنة وما دلا عليه. ولم يحصل منهم كلام في ذلك، ومن نسب إليهم شيئاً من ذلك فليبرزه.
وإن كان الثاني فليسوا بحجة.
وقد كره الإمام مالك -رحمه الله- وغيره أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، كره هذا اللفظ لأن السنة لم تأت به في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، ومالك -رحمه الله- من أعلم الناس بهذا، لأنه قد رأى التابعين الذين رأوا الصحابة بالمدينة ولهذا كره لأهل المدينة كلما دخل إنسان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلونه، وقال: ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وقال القاضي عياض: وسر كراهة مالك لذلك لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد}( ).
فالتنافس والتشمير فيما وافق الشرع وسار على النهج وكيف يبتغى الفضل في مخالفة الصواب!؟.
لا يخفى أن زيارته صلى الله عليه وسلم في حياته فيها من الفوائد التي لا توجد في الوصول إليه صلى الله عليه وسلم بعد مماته: منها النظر إلى ذاته الشريفة وتعلم أحكام الشريعة، والجهاد بين يديه وغير ذلك.
أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فيجب علينا متابعته والتمسك بسنته باطناً وظاهراً وتعظيمه وتوقيره ومحبته وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه، ونعلم أنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته، وهذا هو المشروع في الدين، بل إن كثيراً من العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وجمع من الحنابلة وأهل الحديث ذهبوا إلى عدم مشروعية زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وذلك بالسفر وشد الرحل، وكل الأحاديث التي في فضل زيارة قبره صلى الله عليه وسلم موضوعة مكذوبة واهية، لا يثبت بها حكم شرعي، وبمثلها لا يصلح الاحتجاج، ولم يرو أحد من أهل الكتب المعتمدة منها شيئا، ولا أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم، ولا أصحاب السنن كأبي داود والنسائي، ولا الأئمة من أهل المسانيد كالإمام أحمد وأمثاله، ولا اعتمد على ذلك أحد من أئمة الفقه كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأمثالهم، بل عامة هذه الأحاديث مما يعلم أنها كذب موضوعة، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم حديث واحد في زيارة قبره( ).
درجة الأحاديث الواردة في زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم والاحتجاج بها:
1- {من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي}. وله ألفاظ أخرى تأتي:
2- {من حج فزار قبري في مماتي كان كمن زارني في حياتي}.
3- {من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي}.
4- {من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي}.
5- {من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وصحبني}.
6- {من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة}.
7- {من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً أو قال شفيعاً}.
8- {من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي}.
9- {من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني}.
وما نقلناه هنا من الروايات هو معظمها لا كلها وبعض الروايات جاءت بالنقص وبعضها بالزيادة إلا أن معانيها كلها تتضمن الحث على زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ومساواة من زاره في مماته بمن زاره في حياته، وأنى ذلك؟.
وهذه الأحاديث لا يجوز الاحتجاج بها، ولا يصلح الاعتماد عليها فإنها أحاديث منكرة المتن، ساقطة الإسناد، لم يصححها أحد من الحفاظ، ولا احتج بها أحد من الأئمة، بل ضعفوها وطعنوا فيها، وذكر بعضهم أنها من الأحاديث الموضوعة والأخبار المكذوبة، ولم يقل بها أحد ذاق طعم الحديث. ولا يقويها أنها رويت من طرق متعددة وزيادات مختلفة، بل هذه الزيادات تزيدها إيهاماً وتلبيساً وخبطاً وتخليطاً، ووجوهها كلها التي رويت بها لا ترتفع بها عن درجة الضعف والسقوط، ولا ينهضها إلى رتبة تقتضي الاعتبار والاستشهاد لظلمة إسنادها وجهالة رواته وضعف بعضهم واختلاطه واضطراب حديثه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وأحاديث زيارة قبره صلى الله عليه وسلم كلها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها في الدين، ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئاً منها وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدار قطني والبزار وغيرهم. وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف والكذب ظاهر عليه وهو: {من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي...} الحديث. فإن هذا كذب ظاهر مخالف لدين المسلمين فإن من زاره في حياته وكان مؤمناً به كان من أصحابه لاسيما إن كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه. والواحد بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة كالحج والجهاد والصيام والصلاة فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين بل ولا شرع السفر إليه بل هو منهي عنه.
فجعل زيارة قبره صلى الله عليه وسلم كزيارته حياً لم يقل به أحد من المسلمين، لأن من زاره حياً حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك، ما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه وليس رؤية قبره أو رؤية ظاهر الجدار الذي بني على بيته بمنزلة رؤيته ومشاهدته وسماع كلامه، ولو كان هذا مثل هذا لكان كل من زار قبره مثل واحد من أصحابه! ومعلوم أن هذا من أبطل الباطل.
فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدين وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة في جميع البقاع، فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظم للرسول التعظيم التام( ) والمحبة التامة إلا عند قبره بل هو مأمور بهذا في كل مكان.
إذا تقرر هذا: فإن زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسفر إلى القبر لزيارته في حج أو غيره مفسدة راجحة لا مصلحة فيها، ولا تحط الأوزار أو تنور القلوب بالمعارف والأسرار.
إن المقصود بجميع العبادات أن يكون الدين كله لله، وذلك ما جاء به القرآن ودعا إليه الرسل كلهم، ولذلك خلق الله الخلق. قال تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56] أي: يوحدون، ويخلصون العمل لله وحده، وحق الرسول صلى الله عليه وسلم علينا إنما يتمثل في اتباعه وطاعته ومحبته، وإكثار الصلاة والسلام عليه في كل مكان وزمان، وعدم الركون إلى تأويلات الجهلة وانتحال المبطلين المجاهرين بالباطل والمغالين في أمور تشمت أعداء الإسلام فينا بما يأتون به من أحاديث مكذوبة ويتمسكون به من خيوط واهية في أمور تمس عقيدة المسلم، وإذن فلا تقبل مثل هذه الأحاديث البتة. والله يضل من يشاء ويهدي إليه من ينيب.
قال الحافظ ابن حجر: أكثر متون هذه الأحاديث موضوعة( ). ولو جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الترغيب في زيارة قبره أو كثرة الاختلاف إليه والحث عليه لكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان أحق الناس بالعكوف على قبره وكثرة اتيانه والازدحام عنده وتقبيله والتمسح به، وكانوا أشد الناس ترغيباً للأمة في ذلك، بل المحفوظ عنهم الزجر عن مثل ذلك والنهي عنه.
روى سعيد بن منصور في "سننه " عن عبد العزيز بن محمد قال أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم العشاء، فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا تتخذوا بيتي عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء}( ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين هم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار؟ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا لها أضبط"( )
لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:
إن شد الرحال على وجه القربة أمر توقيفي ليس لأحد أن يأمر به ولا يدعو إليه بل ذلك خاص لمن له هذا الحق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فشد الرحال إلى بقاع مخصصة من الأرض على وجه العبادة والتقرب إلى الله محصور بقوله صلى الله عليه وسلم: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى}
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن كان قصده بالسفر زيارة قبره صلى الله عليه وسلم دون الصلاة في مسجده فهذه المسألة فيها خلاف، والصحيح أن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ليست واجبة باتفاق المسلمين، بل ليس فيها أمر في الكتاب ولا في السنة، وإنما الأمر الموجود في الكتاب والسنة بالصلاة عليه والتسليم، فصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
فالذي عليه الأئمة وأكثر العلماء: أن شد الرحل لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم غير مشروع ولا مأمور به، بل المشروع والمأمور به شد الرحال إلى ثلاثة المساجد. في قوله صلى الله عليه وسلم: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى}( ).
إذن التقرب إلى الله عز وجل بما ليس بطاعة هو معصية؛ لأنه نهى عن ذلك، والنهي يقتضي التحريم. وقد نص العلماء على أن من نذر السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يجب عليه الوفاء؛ لأن النذر إنما يجب الوفاء بما إذا كان في طاعة، ونذر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين والأولياء معصية، لذا لم يجب الوفاء بها، وأيضاً نص بعض أهل العلم كابن عقيل وغيره على أن المسافر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين لا يقصر الصلاة في هذا السفر، لأنه معصية لكونه معتقداً أنها طاعة وليس بطاعة والتقرب إلى الله عز وجل بما ليس بطاعة هو معصية( ).
فمن رخص في زيارة القبور من العلماء - كأبي حامد الغزالي وابن عبدوس وتقي الدين السبكي وابن حجر الهيثمي وغيرهم- فقد استدلوا بما سبق من الأحاديث التي ثبت وضعها وكذبها هي وغيرها مما رواه الطبراني وغيره، لهذا لم يحتج بها أحد من السلف والأئمة، وبمثلها لا يجوز إثبات حكم شرعي باتفاق علماء المسلمين، فالله المستعان.
والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمور بها في كل حين وآن، ويجب ذلك عند ذكره صلى الله عليه وسلم، ويسن عند تكرار اسمه عليه الصلاة والسلام، كما أنه ركن في التشهد في الصلاة.
إن محبته صلى الله عليه وسلم تتحقق في اتباع أمره واجتناب نهيه قال تعالى: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [آل عمران:31] ومحبته صلى الله عليه وسلم تتحقق في أمور أربعة:
1- طاعته فيما أمر.
2- تصديقه فيما أخبر.
3- اجتناب ما نهى عنه وزجر.
4- أن لا يعبد الله إلا بما شرع.
آداب دخول المسجد والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم:
روى الإمام أحمد في "مسنده " وأصحاب "السنن" عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا دخل أحدكم المسجد فليقل بسم الله والصلاة والسلام على وسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك}( ).
فإن السلام عليه مشروع عند دخول المسجد والخروج منه، وفي نفس كل صلاة، وهذا أفضل وأنفع من الصلاة عليه عند قبره وأدوم، وهذه مصلحة محضة لا مفسدة فيها، يرضى الله عنها ويوصل نفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المؤمنين، وهذا مشروع في كل صلاة وعند دخول كل مسجد والخروج منه.
يبدأ بعد دخوله المسجد بصلاة ركعتين تحية المسجد.
لما روى البخاري في "صحيحه " عن أبي قتادة السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس}( ) ولما قررناه من أن قصد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ليست مشروعة وإنما المشروع زيارة المسجد فيبدأ وإن تيسر له صلاهما في الروضة الشريفة لقوله صلى الله عليه وسلم: {ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي}( ).
فحيث صلاهما في أي مكان من المسجد تحقق بذلك فعل السنة المطلوبة عند دخول المسجد، ولكن في الروضة أفضل وهو المنقول عن الإمام أحمد في مناسك المروذي، ونقل عن مالك أنه يستحب التطوع في موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: لا يتعين لذلك موضع من المسجد وهو الأصح إلا إذا كان للمصلي غرض للوصول إلى الصف الأول، وأما الفرض فيصليه مع الإمام بلا ريب حرصاً على الصف الأول( ).
وبعد أن يصلي تحية المسجد أو يصلي الفريضة يذهب إلى الحجرة الشريفة يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم مستقبل الحجرة والقبلة وراءه عند أكثر العلماء، وعند أصحاب أبي حنيفة لا يستقبل القبر وقت السلام على النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الدعاء: فلم يكن أحد من الصحابة رضي الله عنهم يقف عند القبر للدعاء لنفسه فإن هذا بدعة. وإذا أراد أحدهم أن يدعو لنفسه استقبل القبلة وجعل القبر وراءه ودعا. ولم يقل أحد من العلماء أنه يتحرى الدعاء متوجهاً إلى قبره، بل إن الصحابة كانوا يدعون في مسجده ولا يقصدون الدعاء عند الحجرة( ) لا مستقبلي القبر ولا مستدبريه والحكاية المروية عن مالك أنه أمر المنصور أن يستقبل الحجرة وقت الدعاء كذب على مالك رحمه الله.
والنبي صلى الله عليه وسلم يبلغه سلام من سلم عليه، تبلغه إياه الملائكة، لا أنه يسمع ذلك بأذنيه كما كان في حال حياته. إذ ليس لأحد من البشر بعد موته أن يسمع أصوات العباد من قرب أو بعد، فضلاً عن أن يعلم نياتهم وخواطرهم إلا إذا كان ذلك السماع معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا يتوقف على الدليل المعين لذلك، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون إن المسيح هو الله وأنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويستجيب دعاءهم، لا بل الذي يسمع السر والنجوى إنما هو الله رب العالمين قال تعالى: ((أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)) [الزخرف:80] ودعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ويسمع ويعرف النيات والخواطر والأحوال بعد موته غلو غير مقبول وإطراء للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم له ورفع له فوق منزلته، فالنبي صلى الله عليه وسلم يوصف بأنه ميت وجسده باق وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ولا يتعدى الأمر ذلك، كأن يوصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يسمع أو يعلم أو يطلع على النيات والخواطر وغير ذلك من خصائص الربوبية.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في حياته بشراً يوحى إليه ولا يعلم الغيب إلا بإعلام الله له فكيف وهو قد مات، فبأي دليل يثبت من شذ وخلط بين حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولم يميز بين ما هو حق لله وما هو حق للرسول صلى الله عليه وسلم؟
نعم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ختم الله به الأنبياء وآتاه من الفضائل ما فضله به على غيره وجعله سيد ولد آدم وخصائصه وفضائله كثيرة وعظيمة، ولكن مع هذا فإن الله سبحانه وتعالى قد نهانا عن أن نشرك به أو أن نرفع رسوله فوق منزلته التي أنزله إياها بالغلو في تعظيمه. قال تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)) [الكهف:110] وأنه لا يعلم الغيب إلا الله: قال تعالى: ((قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) [النمل:65].
ولا يطلع على النيات والخواطر سوى اللطيف الخبير الذي يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى قال تعالى: ((قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [آل عمران:29] وقال الله تعالى: ((يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) [التغابن:4]
فالرغبة إليه وحده، والرهبة منه وحده، والتوكل عليه وحده، ويمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق سبحانه وتعالى، فمن نفى عن مخلوق -ملك أو نبي أو غيرهما- ما كان من خصائص الربوبية وبين أنه عبد لله كان هذا حقاً واجب القبول، ومن أثبت ذلك كان إثباته إطراء للمخلوق وزيادة في التعظيم على ما يستحقه نعوذ بالله من التكلف والهوى والقول على الله بغير علم ونعوذ بالله أن نصف الرسول صلى الله عليه وسلم بما ليس فيه فنكون من الهالكين( ).
وأما حضور القلب وغض الطرف والإطراق والسكون والانكسار عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعم المتصوفة فهذه أحوال تتطلب حال العبادة كالصلاة والوقوف بعرفة، فإن العبد يستشعر جلال مولاه ووقوفه بين يديه ومناجاته لربه الذي يعلم ما تكنه الأنفس وما تخفيه الصدور وكون العبد يستحضر هذه الأحوال عند قبر الرسول صلى الله عليه وسلم دعوى من غير دليل ومبالغة بل وغلو في تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل ما يطلب من المسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو الأدب بحيث لا يرفع صوته هناك ولا يأت بمناف لحال ما هو فيه من ذكر الموت والقبر وما لكل حي ومصيره. وقد أمر الله تعالى بالتأدب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)) [الحجرات:2] ومن تأمل القران الكريم والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف ما يجب من الأدب، والتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل ما أمر به. قال صلى الله عليه وسلم: {لا تطروني كما تطريء النصارى عيسى بن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله}( ).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً قال: {يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس: عليكم بتقواكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل}( ).
فتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم أن تطاع أوامره وتصدق أخباره ولا يقدم عليه غيره، وهذا هو الذي يقره الشرع ويأمر به ويثني على فاعله، أما أن نعظمه عند قبره بغض الطرف وسكون الجوارح والإطراق.. إلخ فهذا في الحقيقة غلو في تعظيمه ومعاملة له بضد ما أمر به ودعاء إلى ما حذر منه وعصيان ومخالفة لأمره صلى الله عليه وسلم، ومن يفعله مبغوض لا محبوب معاقب لا مثاب.
فعلى المسلم أن يترسم هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يقول ويفعل ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل الله فما له من هاد.
وكان العمل الشائع لدى الصحابة -الخلفاء الراشدين والسابقين الأولين- أنهم يدخلون مسجده ويصلون ويسلمون عليه في الصلاة، ولم يكونوا يذهبون إلى القبر لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، لا لسلام ولا لصلاة ولا غير ذلك من حقوقه المأمور بها في كل مكان( ) وكان ابن عمر وحده هو الذي يذهب إلى القبر إذا قدم من سفر فيقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتِ.
ولم يتابعه عليه أحد من الصحاب
فتأمل كيف أن هذا السلام المختصر، والذي هو في غاية الأدب لم يكن أحد يفعله من الصحابة غير ابن عمر، وهذا منهم مبالغة في سد ما يفضي إلى البدعة والغلو فيه صلى الله عليه وسلم.
وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم مع كثرة الصلاة والسلام عليه فقد كرهه مالك وقال: هو بدعة لم يفعلها السلف. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
فعلى المسلم أن يعرف ما ورد عن السلف رضوان الله عليهم من الصلاة والسلام على رسول الله في الصلاة وخارجها دون إفراط أو تفريط والله الهادي إلى سواء السبيل.
ثم السلام على أبي بكر الصديق: تنتقل عن يمينه صلى الله عليه وسلم قدر ذراع وتسلم على أبي بكر الصديق وتقول السلام عليك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم السلام على عمر بن الحطاب: تنتقل عن يمين أبي بكر الصديق رضي الله عنه قدر ذراع وتقول السلام عليك يا أمير المؤمنين.
والسلام على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما إنما هو من جنس السلام على سائر الأموات، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر وكان يقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف. ومن ثم رأى من رأى من العلماء هذا جائزاً اقتداءً بابن عمر-رضي الله عنهما- في السلام بهذه الصيغة
أما من يدعو ويقول اللهم وارض عن أبي بكر وعمر وارض عنا به، فهذا خلط ووهم، وخطأ بين، وجهل ذريع، وقلب للحقائق بغير علم ولا دليل. فإنه لا واسطة بين الله وبين أحد من خلقه. ولا يجوز أن يُسأل الله تعالى بمخلوق، لا بذاته ولا بمنزلته ولا بعمله، ولا سؤاله الله به.
ولا ينبغي لأحد أن يدعو الله ويتوسل إليه إلا بما شرع من سؤاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وبالأعمال الصالحة التي شرعها لعباده وبدعاء الأحياء الصالحين.
نعم: دعاء المسلم لأخيه حسن مأمور، مادام في حياته لورود ما يدل عليه. أما أن يسأل المؤمن الله تعالى بحق فلان أو بذاته أو بجاهه بعد موته فهذا من أعظم أنواع البدع المحرمة التي سد الله ورسوله ذريعتها وينبغي أن يكتفي بالسلام المشروع
لم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم لأجل الدعاء عنده بعد السلام عليه ولا كان الصحابة رضوان الله عليهم يقصدون الدعاء عند قبره لا مستقبلي القبلة ولا مستدبريها. ولم يقل أحد من العلماء أن الدعاء مستجاب عند قبره ولا أنه يستحب أن يتحرى الدعاء متوجهاً إلى قبره صلى الله عليه وسلم أو متوجهاً إلى القبلة عند قبره صلى الله عليه وسلم، إلا ما ذكره بعض أهل العلم في كتبهم من استحباب استقبال الحجرة عند السلام عليه، ثم بعد فراغه من السلام عليه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره ويدعو قرب من الحجرة أو بعدها.
هذا لا دليل عليه من كتاب ولا من سنة، والأولى للمسلم إذا أراد أن يصيب السنة: أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه ثم ينصرف ولا يقف مستقبل القبلة ولا مستقبل القبر للدعاء، بل نص أئمة السلف على أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء مطلقاً.
قال الإمام مالك فيما روي عنه لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ولكن يسلم ويمضي كما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنهما.
وقال ابن عقيل وابن الجوزي: يكره قصد القبور للدعاء.
وقال مالك هو بدعة لم يفعلها السلف.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يكره قصد القبور للدعاء ووقوفه عندها أيضاً للدعاء.
وهكذا حمد الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإكثار الدعاء والتضرع وتجديد التوبة عند قبره عليه الصلاة والسلام لم يثبت عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، وإنما المأثور عن السلف والأئمة أنهم يستحبون عند قبره صلى الله عليه وسلم ما هو من جنس الدعاء له عليه الصلاة والسلام والتحية كالصلاة والسلام عليه فقط.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " لم يكن في الصحابة والتابعين والأئمة والمشايخ المتقدمين من يقول: إن الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين لا مطلقاً ولا معيناً. ولا فيهم من قال: إن دعاء الإنسان عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من دعائه في غير تلك البقعة ولا أن الصلاة في تلك البقعة أفضل من الصلاة في غيرها ولا فيهم من كان يتحرى الدعاء ولا الصلاة عند هذه القبور. ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه ودعا له"( ) قلت: والمتعين ترك ذلك والإعراض عنه؛ لأنه يفتح باب بدعة وفتنة.
ومعلوم أن الصلاة عليه والدعاء له صلى الله عليه وسلم سؤال تطلب فيه الوسيلة وبعثه المقام المحمودثم إن استقبال القبلة أو استدبارها للدعاء وتجديد التوبة والتضرع ليس عليه دليل ولا هذا الموضع من مواضع إجابة الدعاء، لأن مواضع إجابة الدعوة توقيفية مثل الدعاء في السجود وآخر الليل وأدبار الصلوات وبعد تلاوة القرآن الكريم وبعد النداء وبين الأذان والإقامة وعند نزول الغيث ومجالس الذكر واجتماع المسلمين ودعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب وفي ليلة القدر ويوم عرفة وليلة الجمعة ويومها، ونحو ذلك مما ورد
أما سؤال الله تعالى بجاه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعرف عن السلف، وأنكره العلماء والمحققون وعدوه من الأمور البدعية في الدين، ولا ينبغي لأحد أن يسأل الله به وأحاديث سؤال الله بالمخلوقين أو بجاههم ومنزلتهم واهية وموضوعة، ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها أو اعتمد عليها، إذ أن سؤال الله تعالى بسبب لا يناسب إجابة الدعاء، فلا يحلف على الله بمخلوق ولا يسأله بجاه مخلوق أو بذاته ومنزلته، وإنما يسأل الله بالأسباب التي تناسب إجابة الدعاء مما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، كسؤال الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى قال تعالى: ((وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)) [الأعراف:180] وبالعمل الصالح قال تعالى: ((الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) [آل عمران:16].
ومن السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين آووا إلى الغار فسأل كل واحد منهم ربه بعمل عظيم أخلص فيه لله تعالى، لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه محبة تقتضي إجابة صاحبه: هذا سأل ببره لوالديه وهذا يسأل بعفته التامة وهذا سأل بأمانته وإحسانه.
وكذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول وقت السحر: [[اللهم أمرتني فأطعتك ودعوتني فأجبتك، وهذا سحر فاغفر لي]].
وكسؤال الله بحق السائلين عليه وهو حق أوجبه على نفسه لهم كرماً وتفضلاً كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذي جعله سبباً لإجابة الدعاء قال تعالى: ((وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)) [الشورى:26]
نعم: لقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاهاً عند الله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه ولا شفاعة أعظم من شفاعته، لكن انتفاع العبد بدعائه صلى الله عليه وسلم له في حياته على الوجه المشروع، وكان بعض الصحابة يطلبون منه الدعاء فيدعو لهم فكان توسلهم بدعائه، لا بذاته في حضوره أو مغيبه أو بجاهه بعد موته، وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك ويقولوا في دعائهم بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بالمخلوق على الله عز وجل أو السؤال به ونحو ذلك مما يفعله الجهال من السؤال بجاه النبي وغيره، لكن لم يفعلوا شيئاً من ذلك ولا دعوا بمثل هذه الأدعية مع شدة حاجتهم، بل ضرورتهم إلى ذلك؛ لعلمهم أن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق، فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، قال تعالى: ((مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)) [البقرة:255] وأما ما يحتج به بعض الجهال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم}. فهذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث لهذا لم تقم به حجة وهذا الحديث وما على شاكلته كقول العامة: {إذا كانت لكم حاجة فاسألوا الله بجاهي} فإنها أحاديث مكذوبة باطلة لم يروها أحد من أهل العلم.
فلا يجوز الإقسام على الله بأحد من الأنبياء أو غيرهم من المخلوقين ولا يجوز أن يقال أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك أو بحقه عندك سواء كان نبياً أو غيره، لأن ذلك بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
فينبغي للمسلم أن يدعو الله بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة فإن ذلك لا ريب في فضله وحسنه وأنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ثم إنه لا مناسبة بين جاه النبي صلى الله عليه وسلم وبين الدعاء إذ أنه لو سأل الله تعالى بجاه النبي يقول: لكون نبيك له جاه ومنزلة عندك أجب دعائي وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة وإنما هذا اعتداء في الدعاء فالدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة والاتباع لا على الهوى والابتداع قال تعالى: ((ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)) [الأعراف:55
شبهة ورد:
قال تعالى: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا)) [النساء:64] بهذه الآية الكريمة يستدل بعض الناس على الحث على المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستغفار عنده حتى ولو بعد موته، وأن الآية دلت على تعليق وجدانهم الله تواباً رحيماً بثلاثة أمور:
1- المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- استغفار من ظلم نفسه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- استغفار الرسول لمن ظلم نفسه.
ويزعمون أن ذلك وإن كان قد ورد في حال الحياة فهي رتبة له صلى الله عليه وسلم ولا تنقطع بموته تعظيماً له على حد قولهم فيستحب لمن أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآية ويستغفر الله تعالى ويقول: اللهم إنا سمعنا قولك وأطعنا أمرك وقصدنا نبيك هذا متشفعين به.
والرد: هذه الآية لا تدل على ما قالوه، بل تدل على عكسه؛ لأنها لا تدل إلا على المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم